السيد كاظم الحائري
553
تزكية النفس
- أيضا - كذلك ، وكذلك صفة البخل أو الكرم أو ما إلى ذلك ، فمن عوّد نفسه على حالة الانتقام أو التشفّي ، تغلو في نفسه هذه الحالة ، ولا يكون الدافع الجديد له بعد ذلك إلى الانتقام والتشفي ، العادة مباشرة فحسب ، بل قوّة الغضب وضراوته للانتقام أيضا ، وكذلك من عوّد في نفسه حالة الوفاء ذكى في نفسه نور الوفاء ، فحينما يلتزم بالوفاء بعد ذلك ليس دافعه الجديد العادة وحسب ، بل وكذلك قوّة نور الوفاء في قلبه . وكذا الحال في باقي الفضائل والرذائل ، بل لعلّ التعود على المصاديق الفعلية لهذه الصفات النفسية ، تخلق أحيانا تلك الصفة فيمن لم تكن لديه ، أو كانت عكسها لديه . وبالالتفات إلى مدى تأثير العادة في نفوسنا الذي كاد أن يكون كتأثير الغرائز الأصليّة ، ومدى تأثير مبادئ العادة ، تتّضح لدينا أمور هامّة لها قيمتها في مجال التربية : الأوّل : ضرورة إسراعنا إلى تربية نفوسنا مبكرين في ذلك بقدر الإمكان ؛ فإنّ كلّ تأخير لذلك يعني استحكام العادات وتحددها وصعوبة التربية بعد ذلك ، وضرورة تحصيل العادات الحسنة في الصغر ، ثمّ في عنفوان الشباب ، ثمّ قبل سن الكهولة . . . وهكذا . ولعلّ هذا هو أحد الأسباب لما روي - على ما قاله المرحوم الشيخ عباس القمّي رحمه اللّه في سفينة البحار « 1 » - : « إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب ، مسح إبليس وجهه وقال : بأبي وجه لا يفلح » . فإنّ هذا الشخص قد استحكمت عاداته ، ومن الصعب بعد هذا أن يغيّر عادة أو يحسن صفة من الصفات . وأيضا لعلّ السبب الآخر لذلك هو : أنّ الإنسان يتحدد - عادة - طريقه في
--> ( 1 ) سفينة البحار 3 / 284 .